ابن قيم الجوزية
527
مدارج السالكين بين منازل اياك نعبد واياك نستعين
مغبونا . والرشيد لا يرضى بذلك . ويرى أنه من تصرفات السفيه . فأين سلامة القلب من امتلائه بالغل والوساوس ، وإعمال الفكر في إدراك الانتقام ؟ . المشهد السابع : مشهد « الأمن » فإنه إذا ترك المقابلة والانتقام : أمن ما هو شر من ذلك . وإذا انتقم : واقعه الخوف ولا بد . فإن ذلك يزرع العداوة . والعاقل لا يأمن عدوه ، ولو كان حقيرا . فكم من حقير أردى عدوه الكبير ؟ فإذا غفر ، ولم ينتقم ، ولم يقابل : أمن من تولد العداوة ، أو زيادتها ، ولا بد أن عفوه وحلمه وصفحه يكسر عنه شوكة عدوه . ويكف من جزعه ، بعكس الانتقام . والواقع شاهد بذلك أيضا . المشهد الثامن : مشهد « الجهاد » وهو أن يشهد تولد أذى الناس له من جهاده في سبيل اللّه . وأمرهم بالمعروف . ونهيهم عن المنكر . وإقامة دين اللّه ، وإعلاء كلماته وصاحب هذا المقام : قد اشترى اللّه منه نفسه وماله وعرضه بأعظم الثمن . فإن أراد أن يسلّم إليه الثمن فليسلم هو السلعة ليستحق ثمنها . فلا حق له على من آذاه . ولا شيء له قبله ، إن كان قد رضي بعقد هذا التبايع . فإنه قد وجب أجره على اللّه . وهذا ثابت بالنص وإجماع الصحابة رضي اللّه عنهم . ولهذا منع النبي صلى اللّه عليه وسلم المهاجرين من سكنى مكة - أعزها اللّه - ولم يردّ على أحد منهم داره ولا ماله الذي أخذه الكفار . ولم يضمنهم دية من قتلوه في سبيل اللّه . ولما عزم الصديق رضي اللّه عنه على تضمين أهل الردة ما أتلفوه من نفوس المسلمين وأموالهم . قال له عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه - بمشهد من الصحابة رضي اللّه عنهم - « تلك دماء وأموال ذهبت في اللّه . وأجورها على اللّه ، ولا دية لشهيد » فأصفق الصحابة على قول عمر . ووافقه عليه الصديق . فمن قام للّه حتى أوذي في اللّه : حرم اللّه عليه الانتقام . كما قال لقمان لابنه : وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [ لقمان : 17 ] . المشهد التاسع : مشهد « النعمة » وذلك من وجوه : أحدها : أن يشهد نعمة اللّه عليه في أن جعله مظلوما يترقب النصر . ولم يجعله ظالما يترقب المقت والأخذ . فلو خيّر العاقل بين الحالتين - ولا بد من إحداهما - لاختار أن يكون مظلوما . ومنها : أن يشهد نعمة اللّه في التكفير بذلك من خطاياه . فإنه ما أصاب المؤمن همّ ولا غم ولا أذى إلا كفر اللّه به من خطاياه . فذلك في الحقيقة دواء يستخرج به منه داء الخطايا والذنوب . ومن رضي أن يلقى اللّه بأدوائه كلها وأسقامه ، ولم يداوه في الدنيا بدواء يوجب له الشفاء : فهو مغبون سفيه . فأذى الخلق لك كالدواء الكريه من الطبيب المشفق عليك . فلا تنظر إلى مرارة الدواء وكراهته ومن كان على يديه . وانظر إلى شفقة الطبيب الذي ركبه لك ، وبعثه إليك على يدي من نفعك بمضرته . ومنها : أن يشهد كون تلك البلية أهون وأسهل من غيرها . فإنه ما من محنة إلا وفوقها ما هو أقوى منها وأمر . فإن لم يكن فوقها محنة في البدن والمال فلينظر إلى سلامة دينه وإسلامه